حيدر حب الله
53
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
قد تقول : حتى على هذا الفرض ، كيف يمكنه أن يمتنّ في مورد يكون في عدم بيانه ووضعه التنجيز ضررٌ على فريقٍ من المسلمين كما في مثل موردنا ؟ الأمر الذي يكشف أنّ مثل هذا المورد ليس مشمولًا للامتنان ، ومعناه أنّه مشمول للتنجيز فيكون نفس سياق الامتنان هذا بعينه بياناً يمنع سائر أدلّة البراءة عن الشمول للمورد . والجواب : إنّ ظاهر مثل حديث الرفع هو الامتنان بنوع رفع المؤاخذة في حال الجهل ، فهذا الأمر هو في حدّ نفسه منّة يمكن الامتنان بها على الأمة ، ولا يعني ذلك ملاحظة تمام المصاديق والحالات التي تجري فيها أصالة البراءة ، وإنما يلاحظ نوع هذا الأمر ، وإلا لزم عدم إجراء البراءة في كلّ الموارد المالية كالخمس والزكاة والخراج والصدقات والنفقات ؛ لأنّ الامتنان هنا وإن كان لصالح صاحب المال لكنّه يفوّت على المحتاجين أو من هم مورد النفقة كسباً ، فكيف يمتنّ عليهم بتفويت ربحٍ كان سيعود لهم ؟ إنّ الامتنان هنا نوعي في مورد نوعي ، ولا يصحّ فيه تطبيق الأسلوب التجزيئي الفردي ، ومعه يكون دليل البراءة هنا ببعض مستنداته على الأقلّ شاملًا المقام لولا الأدلة التي ساقها أنصار نظرية تحريم الاحتكار ، والتي منها عدم جواز الإضرار بالغير . 2 - 2 - 3 - مرجعية الأحاديث الخاصّة الدليل الثاني : خبر الحلبي ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : سألته عن الرجل يحتكر الطعام يتربّص به ، هل يجوز ذلك ( هل يصلح ذلك ) ؟ فقال : « إن كان الطعام كثيراً يسع الناس فلا بأس به ، وإن كان الطعام قليلًا ولا يسع الناس فإنه يكره أن يحتكر